الفلسفة: مناهج و نماذج
الفلسفة للمعلمين و المتعلمين
توظيف "التقنيات الحديثة" في الدرس الفلسفي

 إمكانية توظيف
"التقنيات الحديثة" في الدرس الفلسفي

 

تصدير :

إن الهدف من هذه المداخلة ليس طرح إشكالية البحث عن إمكانية توظيف "التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال" في تدريس الفلسفة، لأن الأمر تجاوز مسألة الطرح الإشكالي إلى القناعة الراسخة بأن هذه التقنيات قادرة على تغيير مجرى تعاملنا الديداكتيكي مع الدروس وبالتالي تطوير العملية التعليمية التعلمية ككل (وفي جميع المواد الدراسية). نقول ذلك لأن كثيرا من الفاعلين التربويين، يتمثلون – بسهولة - تدخل هذه التقنيات كوسائل لتدريس مواد كالرياضيات أو اللغات، مثلا، ولكن لا يتمثلونها كوسائل يمكن أن تساهم في بلورة الممارسة الديداكتيكية في تدريس مادة الفلسفة. وحتى تكون هذه المداخلة واضحة وإجرائية سنتحاشى – قدر الإمكان - استعمال المصطلحات التقنية. وكي يتضح الخط العام الذي يحدو الرغبة في بلوغ الهدف سنعمل على مقاربة المسألة من خلال الخطوات التالية:

·         أهمية "التقنيات الحديثة" كوسائل بيداغوجية

·         طرق توظيفها في تدريس الفلسفة

·         معوقات التوظيف

·         تخريج واقتراحات

1. أهمية "التقنيات الحديثة" كوسائل بيداغوجية

تشكل "التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال"، حاليا، أهم الوسائل التي يمكن أن تعمل على الدفع بتعليمنا خطوات كبيرة إلى الأمام، وتفتح أمامنا آفاق رحبة لبلورة تصورات جديدة يمكن أن تساهم في تقليص البون بين مادة الفلسفة وقدرة المتعلمين على استيعابها (من خلال الطرق التقليدية التي لازلنا نستعملها). إن القدرة الهائلة للاستعمال الخصب والمتعدد لهذه التقنيات، في جميع مجالات الحياة، يجعلها قابلة للتوظيف في جميع المواد التعليمية وجميع الوضعيات التربوية والبيداغوجية، ويجعلها تستحق – بحق - أن تحمل اسم "التقنيات الحديثة للتربية" Les Nouvelles Technologies de l'Education .

عادة ما تكون الوسائل التربوية خاضعة للدرس، ولا تكون غاية في ذاتها. إلا أن مرونة "التقنيات الحديثة" تتحول بطريقة إرادية أولا إرادية إلى وسيلة وغاية. لأنها من الثراء الذي لا يستطيع الفرد أن يحيط به (دفعة واحدة على الأقل)، فإذا عرف أشياء غابت عن أخرى. ومن ثم، فإن هذه التقنيات "تعلم الفرد" التواضع المعرفي وتذكي عنده الإحساس بالحاجة إلى المزيد من المعرفة، وترسخ عنده "طريقة التعلم الجماعي" أو "التعلم المتبادل".

وفوق هذا وذاك، فإن هذه التقنيات تعمل على صقل كثير من المواهب، وتجعل الفرد يكشف في ذاته عن مواهب كامنة، بل إنها تساعده على الانفتاح عن إمكانات جديدة للخلق والابتكار، الأمر الذي لا نستطيع أن نسبغه على الوسائل التقليدية (الكتاب المدرسي، السبورة ...) التي لا توحي في الغالب إلا بالعمل والتحصيل.

2. طرق توظيف "التقنيات الحديثة" في تدريس الفلسفة

لابد من الإشارة، أولا، إلى أن كثيرا من الفاعلين التربويين في مجال الفلسفة يعتقدون أن الفلسفة تحمل ديكتاتيكها في ذاتها، إلا أن الملاحظ أن لا أحد منهم يمانع من توظيف وسائل بيداغوجية تقليدية (السبورة، الكتاب المدرسي، النصوص، الإلقاء، الإملاء(1)...). إن التخوف من استعمال "التكنولوجيات الحديثة" يرجع – في اعتقادنا – إلى غياب ثقافة معلوماتية حقيقية، مما يجعل بعض الفاعلين يخشون التبعية للآلة، اعتقادا منهم، مثلا، بقدرة هذه التقنيات على الاستغناء عن المدرس، والأكثرية تحصر أدوار هذه التقنيات في وظائف جزئية محدودة (حفظ/ تخزين المعلومات، الطباعة، الإبحار على الأنترنيت).

يمكن الجزم بأن "التقنيات الحديثة" لا تستطيع أن تعوض العنصر البشري، فهي أدوات فاعلة، ومنتجة بدقة عالية (لمن يحسن كيفية استخدامها). ومن ثمة فإنها لن تعوض المدرس، ولكن ستحد بشكل كبيرمن الارتجال وسوء التدبير الذي يطغى على دروس الفلسفة. بل إن من شأنها القضاء على الرتابة التي يتسبب فيها الإلقاء المفرط بدعوى الحفاظ للفلسفة بطابعها النظري التجريدي. ومن ثمة، فإن حسن توظيف "التقنيات الحديثة" كوسائل تربوية يحتاج إلى التحضير القبلي لها. فإنها بالطبع تتطلب مجهودا إضافيا لابد من القيام به قبل وبعد الحصص المخصصة للتدريس.

يجب أن نعترف أن عالم المراهقين قد تغير اليوم، وعلينا أن نقتحمه عوض أن نتظاهر بمعرفتنا إياه بدعوى أن "الفلسفة أم العلوم" (أو انطلاقا من أية مرجعية أخرى) فيصبح مدرس الفلسفة تبعا لذلك أستاذا جامعا مانعا. إذن علينا أن نفكر مبدئيا - ومن الآن - في الطريقة الأنجع لاستثمار التكنولوجيات الحديثة في دروسنا، حتى لا نتخلف عن الركب.

وبناء عليه، يمكن تقسيم الوظائف التي يمكن أن تؤديها "التقنيات الحديثة" في درس الفلسفة في الظرفية الراهنة (أو في مستقبل نتمناه أن يكون جد قريب)، إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الوسائط المتعددة في برمجيات العرض، والواسائط التفاعلية على الأقراص المضغوطة والأنتريت)(2).

إن الدفعة القوية التي يمكن أن تأتي بها "التقنيات الحديثة" في تدريس مادة الفلسفة، تكمن في قدرتها على الجمع بين الوظائف التي يمكن أن تقوم بها السبورة، والكتاب المدرسي، والوسائل السمعية البصرية في الوقت ذاته، إضافة إلى بعدها التفاعلي. فتسمى تفاعلية لأنها تنفتح على إمكانية تفاعل المتلقي مع الآلة، فيستطيع بالتالي توجيهها حسب قدراته، وسرعته في الاستيعاب.

كما تمكن هذه التقنيات المدرس من التنويع في تحضير الدرس حسب المستويات الإدراكية للتلاميذ، أو من القيام بدراسات مقارنة، وبالتالي تقسيم المتعلمين إلى مجموعات متناسبة عددا وغير متناسبة في قدرة الاستيعاب والتحصيل. فهذه التقنيات تمكن الأستاذ من أن يعد نفس الدرس بطرق متعددة ومتباينة. الأمر الذي يمكنه، من أن يجعل التلاميذ حاصلين على نفس المعلومات بطرق مختلفة تتنوع بين العرض النظري التجريدي، وتوظيف الصورة(الثابتة والمتحركة) والصوت. ومن ثم يستطيع المدرس أن يضطلع – داخل الحصة – بدوره كمنشط وموجه، ومحفز، بل وكباحث(3).

تعتبر وسائل العرض على "الرقائق الشفافة" (les transparentes أو les diapositives ) من أهم الوسائل التي يمكن أن يدمجها مدرس الفلسفة في طريقة التدريس. ويمكنه أن ينتجها بنفسه – وبسهولة - من خلال برمجيات (أشهرها PowerPoint ) تتيح للمدرس أن ينشئ درسا تفاعليا يستغني فيه عن كثير من الوظائف التقليدية التي يقوم بها - حاليا - كتسجيل عناصر الدرس على السبورة مثلا.لأن طريقة التدريس بواسطة "الرقائق الشفافة" تتيح إمكانية التهييئ القبلي لهيكلة متكاملة، وتتيح لمدرس الفلسفة أن يضيف إلى عرضه نصوصا، وصورا، ومقاطع صوتية، ومقاطع فيديو، إن أحب. علاوة على ذلك، فإن "الرقائق الشفافة" قابلة للتحميل على الأقراص المرنة والاسنتساخ على الأقراص المضغوطة، والطبع والنشر على شبكة الأنترنيت(4).

كما يمكن لمدرس الفلسفة، الاستفادة من الإمكانيات التي توفرها "التقنيات الحديثة"، باعتبارها تكنولوجيا تركز على التفاعلية المتعددة الوسائط، فيدمج في تدريسه الأقراص المضغوطة: فهذه الأقراص يمكن أن تثري الدرس كوسائل مكملة، فيتم استثمارها كموسوعات، أو كأفلام، أو تسجيلات صوتية، علاوة على إمكانية استثمارها على شكل دروس أو محاضرات تم استنساخها قبليا (من الأنترنيت مثلا).

ويعتبر الأنترنيت من أكثر الوسائل استعمالا بين التلاميذ، وهو كذلك من أسوئها استغلالا(5). وهنا يأتي دور المربين لتفعيل هذه الوسيلة لكي تضطلع بدورها التربوي والبيداغوجي. فيمكن لمدرس الفلسفة أن يستغل إمكانيات هذه "التقنية" بطرق متنوعة: إن هذه التقنية تتيح لمدرسي الفلسفة إمكانية نشر دروسهم على شبكة الأنترنيت (والتي يستطيع المتعلم العودة إليها في كل وقت وحين). ويمكن للمدرس أن يستغلها، كذلك، كطريقة لإغناء الدرس وتعليم التلاميذ تقنية البحث على هذه الشبكة، ودلالتهم على مواقع جادة وجيدة يمكن أن تغني معارفهم وتكسبهم مهارات جديدة. بل إن بالإمكان تشجيع التلاميذ على إنتاج ونشر صفحات خاصة أو جماعية (كمجلة القسم مثلا) على شبكة الأنترنيت. هذا علاوة على إمكانيات التواصل المتعددة التي يمكن أن توفرها هذه التقنية(6) سواء بين الأستاذ وتلاميذه، أو بين المدرسين أنفسهم، أو من خلال المشاركة في مجموعات التحاور.

3. معوقات التوظيف

يمكن اختزال العوائق التي يمكن أن تحول دون توظيف "التقنيات الحديثة" في تدريس الفلسفة في معوقات مادية وأخرى بشرية:

1.3 المعوقات المادية:

الكل يعرف أن مؤسساتنا التعليمية تفتقر إلى ميزانية حقيقية للتجهيز والتسيير. فجلها لا يستطيع أن يؤمن الوسائل الضرورية، أو أن يعوض الأجهزة التي تتعرض للإتلاف فبالأحرى أن يتزود بآليات التكنولوجيا المعلوماتية. وفوق ذلك فإن الأوضاع المادية لرجال التعليم لا تسمح لهم بالتضحية بجزء من رواتبهم من أجل اقتناء أجهزة لازال كثير منهم يعتبرها ترفيهية.

2.3 المعوقات البشرية:

لابد من الإقرار – كذلك - بأن المعوقات البشرية لا تقل أهمية عن المعوقات المادية. فإذا كانت الأمية اليوم تقاس بالثقافة المعلوماتية، فلابد أن نعترف بأن جل الفاعلين التربويين أميون ويتساوى في ذلك المدرسون، والمفتشون، والإداريون. فرتابة الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي يدخل فيها الفاعلون التربويون تولد عند كثير منهم بطريقة واعية أو لا واعية رفضا مبدئيا لكل تغيير، وعادة ما يتم تغليف هذا الرفض بلباس نظري بيداغوجي وتربوي يبدو في الظاهر معقولا. وكثير ممن لا يمانعون في تفعيل الطرق التربوية وتحديث الوسائل الديداكتيكية يعيشون نوعا من الانتظارية محملين المسؤولية الكاملة والمطلقة، لوزارة التربية الوطنية في التكوين المستمر لرجل التعليم.

4. تخريج واقتراحات

كتخريج لهذه المداخلة نؤكد بأن التفكير في استعمال "التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال" ليس مسألة اختيارية، وإنما هو رهان تتنافس حوله كل المجتمعات. ومن ثم، فإن علينا أن نخوض غماره حتى لا نعمل على تعميق الهوة، لأن المسألة التعليمية ليست ترفا فكريا واجتماعيا، وإنما التعليم ضرورة باعتبار الإنسان هو الثروة الحقيقية للمجتمعات. فعلى الفاعل التربوي في مادة الفلسفة أن ينظر إلى هذه المادة من خلال تقمصه لشخصية المتعلم. وسيدرك، بالتالي، أن كل فترة تعلم يتبعها (بعد أمد طويل أو قصير) تقويم جزائي. ومن ثمة، فإن علينا أن نعمل على توحيد تمثلاتنا التربوية، وتمثلنا لطبيعة الدرس، وطرق التدريس والتقويم وتطوير وسائلنا الديداكتيكية، وأن نعمل بالتالي على تقريب المادة المدرسة إلى المتعلم وتحبيبها إليه. وبتعبير آخر: إن علينا أن نضع تدريسنا موضع تساؤل من خلال الإجابة على تساؤلات أهمها التساؤلات التالية: ماذا نعلم؟ ومن نعلم؟ وكيف نعلمه؟ ولماذا نعلمه؟

وبناء عليه، نرى أن الرفع من مستوى التدريس عموما، ومن مستوى تدريس الفلسفة على وجه الخصوص، يتوجب العمل على:

·         تفعيل المجالس الداخلية:

لابد أن تضطلع المجالس الداخلية بأدوارها كاملة في مراقبة وتسيير المؤسسات التربوية والبحث عن موارد إضافية من خلال شراكة حقيقية مع جمعية الآباء.

·         تفعيل الأجهزة التربوية

ونقصد بها المجالس التعليمية، واللقاءات التربوية، والأجهزة التابعة للأكاديميات. فيجب إخراج المجالس التعليمية من طابعها الروتيني والشكلي لكي تصبح بحق منابر يستطيع من خلالها المدرس أن يسمع صوته حول القضايا التربوية والتعليمية سواء منها التي تتعلق بمؤسسته أو ما يتعلق بالقضايا التربوية والديداكتيكية أو بالسياسة التعليمية عموما.

أما اللقاءات التربوية التي يترأسها المفتش، فلا يجب أن تتحول إلى مجال للتزلف، والمداخلات التربوية الفجة التي لا تستند إلى أية أسس علمية أو أكاديمية. بل يجب أن تكون مجالا للتعلم المتبادل، ومجالا لبلورة تصورات تجريبية جديدة، كفيلة بأن تطور الممارسة الصفية.

لا أستطيع أن أختم هذه المداخلة، دون أن أشير إلى الأدوار التي تقوم بها "مراكز التنشيط والتوثيق البيداغوجي"، وكذا "الفرق التربوية" التابعة للأكاديميات. فهذه الأجهزة قمينة من أن تخرج الأكاديميات من الطابع الإداري الذي يطغى عليها. يبدو أن هذه الأجهزة تشتغل على قدم وساق، لكن المنطق يفترض أن المجهود التربوي الذي لا نلمس تأثيره المباشر على العملية التعليمية والعلاقة مدرس/ تلميذ يعتبر مجهودا باهتا.

إن ما تقدم، يجعلنا نؤكد، أنه من المفارقة أن نحفز المتعلمين على "التعلم الذاتي" في الوقت الذي نمارس فيه نوعا من التواكل فيما يخص تكويننا الذاتي. وهذا التواكل يكتسي مظهرين أحدهما يتجلى في ترقب ما قد تجود به الوزارة فيما يخص التكوين المستمر، والآخر يتجلى في التشبث الدوغمائي بحرفية المذكرات الوزارية وإقفال أبواب الاجتهاد (= "لا اجتهاد مع وجود النص"). وحتى تتمكن الوزارة من تفعيل الفعل التربوي للأكاديميات نقترح عليها ما يلي: لماذا لا تفكر وزارة التربية الوطنية في أن تقوم في نهاية كل موسم دراسي بترتيب الأكاديميات وتقييمها بناء على معياري البحث والإنتاج التربويين؟ !! فيقع بالتالي توزيع الميزانيات التي ستخول إليها على ضوء نتائج ذلك التقويم.

 الهوامش

(1) من المؤسف أن نلاحظ أن إملاء الملخصات والدروس لا يزال يأخذ حصة الأسد من حصص تدريس الفلسفة على حساب أنشطة تربوية وتعليمية أهم بكثير.

(2) تجدر الإشارة أننا استثنينا طريقة المحاضرات المباشرة عن بعد لصعوبة تنفيذها في الظرفية الراهنة لأسباب مادية محضة.

(3) لا يمكن للمدرس أن يجدد في طرق تدريسه وفي التعامل مع البرامج، والمقررات، بشكل إيجابي إلا إذا اعتبر الفصل الذي يعمل فيه مختبرا فعليا لاستثمار نتائج التقويم وكذا تصحيح التمثلات التربوية من خلال العمل على اختبارها وتفعيلها..

(4) إن تمكن التلاميذ من تحميل الدروس أواستنساخها على الأقراص المضغوطة أو الإطلاع عليها على شبكة الأنترنيت يساعدهم على دعم وتثبيت الأفكار بسهولة والتفاعل معها حسب الوتيرة التي تناسبهم.

(5) إن من يرتاد مقاهي الأنترنيت بانتظام سيلاحظ أن معظم شبابنا – مع الأسف - يتعاطى للدردشة المباشرة chat في مواضيع تافهة.

(7) يمكن للتلاميذ أن يتصلوا بمدرسهم خلال العطل الموسمية، مثلا، ليستفسروه أو ليطلبوا منه إرشادات وتوجيهات ....إلخ.

بتصرف

 



Add a Comment

اضيف في 06 فبراير, 2010 03:14 م , من قبل aissa kaddouri said:

شكرا زميلي أوبليل على مقالكم الرائع المزيد من البراعة الفلسفية .. أخوكم : عبد الله



Add a Comment

<<Home